الجمعة 6 ربيع الأول 1442 هـ

الموافق 23 أكتوبر 2020 م

 

الحمد الله الذي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَىٰ وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ، ومَنَّ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ)، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ونشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله الذي دعا إلى ثوابه وبشّر، وحذر من عقابه وأنذر، وأوضح سبيل الرشاد، وجاهد فيه حقّ الجهاد، حتى ظهر دين الله وعلت كلمته، وشملت رحمته وتمت نعمته صلى الله عليه وعلى آله الأبرار وصحبه الأخيار، وسلم تسليماً كثيراً..

أمّا بعد: فأوصيكم عباد الله ونفسي بتقوى الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ)

معاشر المسلمين: من أسس عقيدتنا الإسلامية، التي يجب أن يتربى عليها المسلم والمسلمة، ويعتقدوا ويؤمنوا بها ، الإيمان بجميع الرسل والأنبياء عليهم الصلاة والسلام، إيماناً راسخاً ثابتاً لا يتزعزع،  وقد وصف القرآن الكريم إيمان المؤمنين بقوله: (آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ) ويجب على المؤمن والمؤمنة  عدم التفريق بين الرسل أو بين الأنبياء عليهم الصلاة السلام،  فهم يؤمنون بهم جميعاً دون تفريق. والله سبحانه وتعالى يأمر نبينا محمداً صلى الله عليه وسلَّم ويأمرنا معه بذلك في كتابه العزيز: (قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ) والنبوة فضل واختيار إلهي، وهي هبة ربانية يهبها لمن يشاء وهي اصطفاء من الله تبارك وتعالى لأفضل خلقه وصفوة عباده، فيختارهم الله لحمل الرسالة، ويصطفيهم من بين سائر البشر، قال تعالى: (اللَّهُ يَصْطَفِي مِنْ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا وَمِنْ النَّاسِ، إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ). والحكمة من إرسال  الأنبياء والرسل جميعاً واحد، وهو توحيد الله  عز وجل ودلالة الخلق عليه، ونشر الطمأنينة والسكينة بين الشعوب، وإرساء قواعد الحق والعدل والخير والكرامة لهذا الإنسان الذي أستعبده الشيطان، أو تعرض للظلم والقهر من أخيه الإنسان، أو استعبدته الشهوات والشبهات ثم بعد ذلك دلالة الناس إلى اليوم الآخر، وبيان أن هذه الدنيا ليست بدار مقر وإقامة فتصحح الاعتقادات، وتزداد الطاعات، وتستقيم السلوكيات والمعاملات، قال تعالى: (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولا أَنْ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ) وقال جل وعلا: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ) وقال سبحانه في شأن خاتم الأنبياء والرسل محمد صلى الله عيه وسلم: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيراً، وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيراً) وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إنَّهُ لَمْ يَكُنْ نَبيٌّ قَبْلي إلاَّ كَانَ حَقاً علَيْهِ أنْ يَدُلَّ أُمَّتَهُ عَلى خَيرِ مَا يعْلَمُهُ لهُمْ ويُنذِرَهُم شَرَّ مَا يعلَمُهُ لهُم..)

أيها الأخوة والأخوات في الله:  ومن رحمة الله بنا أن بعث فينا محمداً صلى الله عليه وسلم، وأمرنا بالإيمان به وتصديقه وإتباعه، والإقتداء به، والانتصار له، ومحبته وتقديمه على النفس والأهل والمال والولد. لأنه صلى الله عليه وسلم على يديه كمل الدين، وبه ختمت الرسالات، وأنزل إليه  أفضل الكتب، قال تعالى: (لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ) حريصُ عليكم يا عباد اللـه، رحيمُ بكم مشفقُ عليكم، يتمنى سعادتكم وراحتكم فهل بعد ذلك يقابل بالبعد والجفاء وبعدم الإقتداء به والسير على هديه وسنته.

عباد الله: إن الإيمان  ينفث في قلب المؤمن، حب هذا الرسول العظيم صلى الله عليه وسلم  وإتباعه، لأن أثر ذلك سيكون على الفرد والمجتمع والأمة عظيماً وواضحاً وجلياً، فلا سعادة للفرد، ولا حياة للمجتمع، ولا عزة لهذه الأمة، إلا  بالتسليم لشرعه والإقتداء به قال جل وعلا، (فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) وقال تعالى: (قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ) وهل محبة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بعد ذلك إلا من محبة الله تعالى؟ وهل طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم  إلا من طاعة الله عز وجل (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) .

كما جعل الله سبحانه التسليم لمنهجه وسنته وهديه وحكمه دلالة وعلامة على الإيمان الحق الصادق: (فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً) وجاء في الحديث الصحيح قوله صلى الله عليه وسلم: (فو الذي نفسي بيده، لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَلَدِهِ وَوَالِدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ) لذلك أدرك الصحابة وأدركت الأمة على فترات من تاريخها فضل الرسول صلى الله عليه وسلم عليها، بل وعلى العالم كله، وجنت ثمار محبته في الدنيا سعادة وراحة ويقين وعزة ونصراً وتمكيناً، ويوم القيامة، لن يكون جزائها وثوابها إلا الجنة إن صدقت في ذلك، قال تعالى: (وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ، وَمَنْ يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ عَذَاباً أَلِيماً).. إن محبة الرسول صلى الله عليه وسلم ليست مجرد دعوى أو كلمات ومدائح فحسب، تلقى في مناسبة أو من فترة لأخرى، بل هي عمل واستقامة واقتداء وبذل وتضحية لهذا الدين،  وهي كذلك محبة وشوق وحنين وحب لهذا الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم الذي أحبه وحن إليه كل شيء حتى الحجر والشجر والصخر والحصى والطير والحيوان … صح في الحديث في دلائل نبوته عليه الصلاة والسلام، عن جَابِر بْن عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قال: (كَانَ المَسْجِدُ مَسْقُوفًاً عَلَى جُذُوعٍ مِنْ نَخْلٍ، فَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا خَطَبَ يَقُومُ إِلَى جِذْعٍ مِنْهَا، فَلَمَّا صُنِعَ لَهُ المِنْبَرُ وَكَانَ عَلَيْهِ، ترك الجذع، فَسَمِعْنَا لِذَلِكَ الجِذْعِ صَوْتاً كَصَوْتِ العِشَارِ(الناقة)، حَتَّى جَاءَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهَا، فَسَكَنَتْ). قالَ: الراوي: كَانَتْ تَبْكِي علَى ما كَانَتْ تَسْمَعُ مِنَ الذِّكْرِ عِنْدَهَا. وفي رواية قال: أما والَّذي نفسُ محمَّدٍ بيدِه لو لم ألتزِمْه لما زال هكذا إلى يومِ القيامةِ حزناً على رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم) وقد روي أن الْحَسَن البصري رحمه الله كَانَ إِذَا حَدَّثَ بِهَذَا الْحَدِيثِ بَكَى، ثُمَّ قَالَ: يَا عِبَادَ اللَّهِ الْخَشَبَةُ تَحِنُّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَوْقًاً إِلَيْهِ لِمَكَانِهِ مِنَ اللَّهِ، فَأَنْتُمْ أَحَقُّ أَنْ تَشْتَاقُوا إِلَى لِقَائِهِ) وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال صعِدَ النبي صلى الله عليه وسلم جبل أُحد ومعه أبو بَكْرٍ وعمرُ وعثمانُ فرجفَ بِهِم الجبل فقالَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ: اثبت أُحُدُ فإنَّما عليكَ نبيٌّ وصدِّيقٌ وشَهيدانِ) قال بعض العلماء  إنما اهتز فرحاً و طرباً و شوقاً للقاء رسول صلى الله عليه و سلم و صحبه…  وانظروا إلى هذا الحب وهذا الشوق من صحابته رضي الله عنهم أجمعين، فعن عائشة رضي الله عنها قالت : جاءَ رجلٌ إلى النَّبيِّ صلَّى اللَّهُ عليْهِ وسلَّمَ فقالَ: يا رسولَ اللَّهِ إنَّكَ لأحَبُّ إليَّ من نَفسي وإنَّكَ لأحبُّ إليَّ من ولدي وإنِّي لأَكونُ في البيتِ فأذْكرُكَ فما أصبِرُ حتَّى آتيَ فأنظُرَ إليْكَ وإذا ذَكرتُ موتي وموتَكَ عرفتُ أنَّكَ إذا دخلتَ الجنَّةَ رفعتَ معَ النَّبيِّينَ وأنِّي إذا دَخلتُ الجنَّةَ خَشيتُ أن لا أراكَ فلم يردَّ عليْهِ النَّبيُّ صلَّى اللَّهُ عليْهِ وسلَّمَ شيئاً حتَّى نزلَ جبريلُ بِهذِهِ الآيةِ، (وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقاً) وعن زيد بن ثابت رضي الله عنه قال: بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ أُحُدٍ لِطَلَبِ (للبحث عن) سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ  وَقَالَ لِي: إِنْ رَأَيْتَهُ فَأَقْرِئْهُ مِنِّي السَّلَامَ، وَقُلْ لَهُ : يَقُولُ لَكَ رَسُولُ اللَّهِ: كَيْفَ تَجِدُكَ؟ قَالَ: فَجَعَلْتُ أَطُوفُ بَيْنَ الْقَتْلَى فَأَصَبْتُهُ وَهُوَ فِي آخِرِ رَمَقٍ وَبِهِ سَبْعُونَ ضَرْبَةً مَا بَيْنَ طَعْنَةٍ بِرُمْحٍ وَضَرْبَةٍ بِسَيْفٍ وَرَمْيَةٍ بِسَهْمٍ، فَقُلْتُ لَهُ:  يَا سَعْدُ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْرَأُ عَلَيْكَ السَّلَامَ، وَيَقُولُ لَكَ : خَبِّرْنِي كَيْفَ تَجِدُكَ ؟ قَالَ  عَلَى رَسُولِ اللَّهِ السَّلَامُ ، وَعَلَيْكَ السَّلَامُ، قُلْ لَهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَجِدُنِي أَجِدُ رِيحَ الْجَنَّةِ، وَقُلْ لِقَوْمِي الْأَنْصَارِ: لَا عُذْرَ لَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَنْ يَخْلُصَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفِيكُمْ عين تطْرِفُ، وَفَاضَتْ روحه من وقته رضي الله عنه وأرضاه.الله أكبر يا عباد الله، لقد أحب الصحابة رسول الله، وتمنوا حتى تقبيله، ومس جسده،  وهم في أحلك الظروف وأصعب الأزمات، روي أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَدَلَ صُفُوفَ أَصْحَابِهِ يَوْمَ بَدْرٍ، وَفِي يَدِهِ سهم يُعَدِّلُ بِهِ الْقَوْمَ، فَمَرَّ بالصحابي سَوَادِ بْنِ غَزِيَّةَ: وَهُوَ متقدم مِنَ الصَّفِّ، فَطَعَنَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بظهر السهم فِي بَطْنِهِ، وَقَالَ: (اسْتَوِ يَا سَوَادُ) فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ أَوْجَعَتْنِي وَقَدْ بَعَثَكَ اللهُ بِالْعَدْلِ، فَأَقِدْنِي (أي مكِّنِّي من القصاص لنفسي)، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (اسْتَقِدْ) فقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّكَ طَعَنْتَنِي وَلَيْسَ عَلَيَّ قَمِيصٌ: فَكَشَفَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ بَطْنِهِ، وَقَالَ له: (اسْتَقِدْ) فَاعْتَنَقَهُ سواد، وَقَبَّلَ بَطْنَهُ، وَقَالَ: (مَا حَمَلَكَ عَلَى هَذَا يَا سَوَادُ؟) قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، حَضَرَنِي مَا تَرَى، وَلَمْ آمَنِ الْقَتْلَ، فَأَرَدْتُ أَنْ يَكُونَ آخِرَ الْعَهْدِ بِكَ أَنْ يَمَسَّ جِلْدِي جِلْدَكَ، فَدَعَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهُ بِخَيْرٍ. أيها المسلمون: لماذا كل هذا الحب؟ سؤال يطرح نفسه ولكن لماذا نستغرب أو لماذا نندهش؟ فهو إنسان كل شيء في الكون يحبه  السماء بمن فيها و الأرض بمن عليها كل يحبه، و يشتاق إليه، فما أعظمه من إنسان، و ما أجله من نبي، وما أعزه من رسول صلى الله عليه و سلم، هدى الله به من الظلالة، وبصر به من العمى، برسالة سعدت فيها البشرية، وظهر العدل، واختفى الظلم، وعرف الإنسان غايته وهدفه ومصيره.

عباد الله: وإن من مقتضيات هذا الحب أيضاً  لرسول الله صلى الله عليه وسلم، أن يكثر المسلم من ذكره والصلاة والسلام عليه، وأن يتمني رؤيته والشوق إلى لقائه وسؤال الله اللحاق به على الإيمان وأن يجمع بينه وبين حبيبه في مستقر رحمته وقد أخبر صلى الله عليه و سلم بأنه سيوجد في هذه الأمة من يودّ رؤيته بكل ما يملكون، فقال:

(مِنْ أشَدِّ أُمَّتي لي حُبًّاً، ناسٌ يَكونُونَ بَعْدِي، يَوَدُّ أحَدُهُمْ لو رَآنِي بأَهْلِهِ ومالِهِ)

نسأل الله العلي العظيم أن يرزقنا حب وشفاعة نبيه صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، وأن يملأ نفوسنا بإجلاله وتعظيمه وتوقيره  وأن يحشرنا في زمرته وأن يجعلنا فداء له ولدينه، إنه سميع مجيب الدعاء…

نفعني الله وإياكم بالقران العظيم، وبهدي سيد المرسلين، أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.

 

الخطبة الثانية

الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ونشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى وآله وأزواجه وأصحابه وسلم تسليماً.

أما بعد فيا أيها المسلمون: ومن مقتضيات محبة محمد صلى الله عليه وسلم، الدفاع عنه والذب عن سنته وهديه والتصدي للمغرضين والمنافقين والكافرين به، والمنهزمين والمستشرقين والمستغربين والحاقدين، الذين يعملون على النيل من قدره وعرضه، والتشكيك في منهاجه وسبيله،  قال تعالى : (وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِىٍّ عَدُوًّاً مِّنَ ٱلْمُجْرِمِينَ  وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ هَادِياً وَنَصِيراً) وهؤلاء المجرمون لا يقتصر وجودهم على حياته ، بل يتكاثرون بعد مماته  لينظر الله عز وجل إلى فعل أتباعه، ومدعي محبته، والغيورين على هديه وسنته.

عباد الله: إنْ تخاذل المسلمون عن نصرة نبيهم صلى الله عليه وسلم، فإن الله ناصر نبيه، معلٍ ذكره،رافعٌ شأنه، منتقم من الذين يؤذونه في الدنيا والآخرة.. يقول صلى الله عليه وسلم : قال الله تعالى: (مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّاً فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ) فكيف بمن عادى الأنبياء؟ وكيف بمن عادى رسول الله، يقول الله تعالى: (وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) ويقول الله سبحانه: (إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً مُّهِيناً).. أيها المؤمنون: إن الهجمة الشرسة على رسولنا وحبيبنا محمد صلى الله عليه وسلم، ليست من قبيل حرية الرأي، والحرية الفكرية، كما يقولون ويزعمون، وكأنها لا تعني إلا الإساءة لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم، بل هي في الحقيقة هجمة مبرمجة ومرتبة للنيل من الإسلام ورسول هذه الأمة وتظهر من وقت لآخر ومن بلد لآخر.. تارة بصور مسيئة، وتارة بكلمات بذيئة، وتارة بمشاهد تمثيلية وأفلام قبيحة  وما ذلك إلا لإغاضة المسلمين، واستفزازهم وزعزعت دينهم وعقيدتهم وحبهم لرسولهم، ولكن هيهات هيهات أن ينالوا من عرضه وشرفه ودينه، وقد عصمه الله حياً وميتاً، وعلى المسلمين أن يظهروا حبه والدفاع عنه بإتباع دينه والالتزام بسنته والدعوة إلى هداه بالحكمة والموعظة الحسنة، ولا يمكن أن يكون الدفاع عنه بقتل المستأمنين والمعاهدين ولو كانوا مخالفين في الدين والملة والمعتقد، أو الاعتداء على ممتلكاتهم بالتلف والإحراق والنهب والسلب، أو زعزعت الأمن وإقلاق السكينة وتخويف الآمنين، فليست هذه الأعمال من أخلاق الإسلام والمسلمين، ولا يمكن أن نجرم أمماً وشعوباً ودولاً بسبب فساد بعض أبنائها وجرأتهم على رسولنا ونستهدف كل شخص منهم بسبب هذه الحماسة والعاطفة الجياشة والتي ينبغي أن يتحكم بها الشرع والعقل، ولسنا كذلك غوغائيين حتى تكون هذه الطرق والسلوكيات الخاطئة هي التعبير السليم عن حبه صلى الله عليه وسلم، فهناك وسائل سلمية كثيرة مثل استخدام وسائل التواصل والحوارات والنقاشات والتواصل مع العالم، وهناك الأعمال الدبلوماسية واستدعاء السفراء وتقديم الاحتجاجات، والمطالبة بسن قوانين تجرم مثل هذه الأعمال المنكرة، وهناك وسائل أخرى كإظهار حقائق هذا الدين، وما قدم للبشرية، ونشر هديه وسنته صلى الله عليه وسلم، ودعوة المجتمع رجالاً ونساء، صغاراً وكباراً، حكاماً ومحكومين للإقتداء به، وهناك وسائل فضح المتآمرين والحاقدين وتعريتهم  وغير ذلك، وعلى الحكام وولاة أمور المسلمين أن يتقوا الله في دينهم ونبيهم، ويقوموا بدورهم في الدفاع عن دينهم وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو والله شرف لهم ومنقبة عالية، وعمل عظيم يلقون به ربهم، (وَقِفُوهُمْ إِنَّهُم مَّسْئُولُونَ) وذلك بسعيهم لامتلاك أسباب القوة السياسية والاقتصادية والإعلامية والعسكرية، ما يدافعون بها عن دينهم، وينتصرون لنبيهم  وإن هذه الهجمة لن تقف عند هذا الحد .. فأعلنوا رحمكم الله للعالم دفاعكم وحبكم لنبيكم، وتمسكوا بهديه وسنته، وعلموا أولادكم حبه وحب آل بيته وحب صحابته رضوان الله عليهم أجمعين، وثقوا وتيقنوا، أن الله متم نوره ولو كره الكافرون،  قال تعالى (فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ، أُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)

اللهم صل وسلم على نبينا محمد ما ذكره الذاكرون الأبرار، وصل وسلم على محمد وعلى آل محمد وعلى أزواج محمد وعلى المهاجرين والأنصار، اللهم صل وسلم عليه ما زهرت النجوم، وتلاحمت القيوم اللهم صل وسلم على صاحب المقام المحمود، والحوض المورود، واللواء المعقود، اللهم صل وسلم على صاحب الوجه الأنور والجبين الأزهر والمقام الأطهر، والمجد الأسمى والأظهر، اللهم اجعل حبك وحب رسولك، أحب إلينا من أنفسنا وأهلنا وأبنائنا ومن الماء البارد على الظمأ اللهم ارزقنا شفاعته وأوردنا حوضه، واسقنا بيده الشريفة شربة لا نظمأ بعدها أبداً.. اللهم أعز الإسلام وانصر المسلمين، اللهم اجعل كلمتك هي العليا إلى يوم الدين.

اللهم منزل الكتاب، ومجري السحاب، وهازم الأحزاب، إهزم أعداء الإسلام والمسلمين، اللهم اهزمهم وانصرنا عليهم، اللهم لا تمكن الأعداء فينا، ولا تسلطهم علينا بذنوبنا يا ذا الجلال والإكرام.

اللهم آمنا في وطننا، وفي خليجنا واجعل هذا البلد آمناً مطمئناً سخاءً رخاءً وسائر بلاد المسلمين،  الْلَّهُمَّ وَفِّقْ وُلَاةَ أُمُوْرِنَا لِمَا تُحِبُّ وَتَرْضَىَ، الْلَّهُمَّ وفق مَلِكِنَا حَمِدَ بْنَ عِيْسَىْ وَرَئِيْسَ وُزَرَائِهِ خليفة بن سلمان وَوَلِيَّ عَهْدِهِ سلمان بن حمد الْلَّهُمَّ وَفِّقْهُمْ لِمَا تُحِبُّ وَتَرْضَىَ وَخُذْ بِنَوَاصِيْهِمْ لِلْبَرِّ وَالْتَّقْوَىْ، وَهَيِّئْ لَهُمْ الْبِطَانَةَ الْصَّالِحَةَ الْنَّاصِحَةَ يَارَبْ الْعَالَمِيْنَ.. اللهم وفِّق المسئولين والعاملينَ والمتطوعين في فريق البحرين الوطني، اللهم أَعِنْهم وانفع بهم، وبارك في جهودهم، وأحفظهم من كل سوء ومكروه برحمتك وفضلك وجودك يا أرحم الراحمين.

اللهم أرفع البلاء والوباء عن بلادنا وبلاد المسلمين وبلاد العالم أجمعين.

اللهم كن لإخواننا المستضعفين المظلومين  في كل مكان ناصراً ومؤيداً، وانصرهم على عدوك وعدوهم يارب العالمين..

اللهم أحفظ المسجد الأقصى مسرى نبيك  وحصنه بتحصينك، وأكلأه برعايتك، واجعله في حرزك وأمانك وضمانك يا ذا الجلال والإكرام… اللهم اغفر ذنوبنا واستر عيوبنا، ونفس كروبنا وعاف مبتلانا، واشف مرضانا واشف مرضانا وارحم موتانا وارحم والدينا برحمتك يا أرحم الراحمين.

الْلَّهُمَّ صَلِّ وَسَلَّمَ وَزِدْ وَبَارِكَ عَلَىَ سَيِّدِنَا وَنَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَىَ آَلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِيْنَ. (سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ  وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ)

       خطبة جامع الفاتح الإسلامي – عدنان بن عبد الله القطان – مملكة البحرين